عبد الملك الجويني
169
نهاية المطلب في دراية المذهب
ولو عفا أحد الأولياء عن القصاص ، سقط حقه وترتب عليه سقوط حقوق الباقين ؛ فإن القصاص واحد ، فإذا سقط بعضه ، استحال استيفاء باقيه [ مع ] ( 1 ) الاقتصار على القدر المستحق ، والسقوط أغلبُ في العقوبات إذا اجتمع فيها المسقط ونقيضه . وذهب طائفة من علماء المدينة إلى أن القصاص من حقوق الورثة ينزل منزلة حد القذف ، فلو ابتدره واحد منهم دون مراجعة أصحابه ، جاز ، ووقع الموقع ، ولو عفا جميع الورثة إلا واحداً منهم ، فله الانفراد باستيفاء القصاص ، اعتباراً بحد القذف في مثل هذه الصورة . وإنما ذكرنا مذهب هؤلاء لمسيس الحاجة إليه في ترتيب مذهبنا . فلو قتل أحد الوليين قاتلَ أبيه منفرداً ، ولم يراجع أخاه ، لم يخل : إما أن يفعل ذلك قبل عفو أخيه عن القصاص ، وإما أن يفعله بعد عفوه عن القصاص ، فلو ابتدر واقتصّ قبل العفو ، فقد نص الشافعي على قولين في أن القصاص يجب عليه ؛ فإن استيفاء حق نفسه من القصاص غيرُ ممكن ، ولا سلطان له في استيفاء حق أخيه ، فلا يمكن [ أن ] ( 2 ) يقع قتله عن جهة الاستيفاء ، لا في حقه ، ولا في حق أخيه ، وإذا لم يقع عن جهة القصاص ، فإن قتله إياه بمثابة قتل أجنبي ، ولو قتل أجنبي رجلاً استوجب القصاصَ ، وجب القصاصُ عليه بقتله ؛ فليكن الولي كذلك . القول الثاني - وهو الأصح أنه لا يجب القصاص على الولي [ المبادر ] ( 3 ) القاتل ، لمعنيين : أحدهما - أن القتل قصاصاً مشترك بينه وبين أخيه ، ولو كان الكل مستحَقاً لهذا المستوفي ، لكان مستوفياً حقّ نفسه ، فإذا ثبتت الشركة ، فلا أقل من أن تنهض الشركةُ شبهةً في إسقاط القصاص عنه . هذا أحد المعنيين ، وهو أظهرهما . والمعنى الثاني - التعلق بمذهب فقهاء المدينة [ وهو ] ( 4 ) أنهم جوزوا لكل واحد من
--> ( 1 ) في الأصل : " على " . ( 2 ) زيادة من المحقق . ( 3 ) في الأصل : " المبدر " . ( 4 ) في الأصل : " وذهب " .